وهبة الزحيلي

219

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

العربي : والصحيح أن بَعْضِ على حالها في هذه الآية ، وأن المراد به الرجم . فإن أعرضوا عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع اللّه ، فلا تبال بهم ، واعلم أن ذلك كائن عن قدرة اللّه وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى ، بسبب ما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم ، ويريد اللّه أن يعذبهم في الدنيا قبل الآخرة ببعض ذنوبهم ، وهو التولي والإعراض عن حكم اللّه وشرعه ، وعما تحكم به ، وقد تحقق ذلك العذاب بسبب غدر اليهود ، فأجلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بني النضير عن المدينة ، وقتل بني قريظة . أما بقية ذنوبهم الكثيرة فيعاقبون عليها بعذاب أليم في الدار الآخرة ، وإن كثيرا من الناس لفاسقون ، أي متمردون في الكفر ، مخالفون للحق وحائدون عنه ، وخارجون عن حدود الشرع والدين والعقل . وفي هذا مواساة وتسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على عدم قبولهم الحق الذي جاء به . ثم ندد اللّه تعالى باليهود الذين يريدون التمييز بين القتلى بحسب نوع القبيلة ، ويريدون تحكيم أهواء الجاهلية ، مع أنهم أهل كتاب ، فوجه هذا الاستفهام الإنكاري لهم ولأمثالهم بقوله : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل اللّه ، وهو الحق والعدل والصواب ، تم يطلبون حكم الجاهلية القائم على الجور والظلم والهوى ، فهذا توبيخ وتعجب من حالهم ، وإنكار على كل من خرج عن حكم اللّه المشتمل على كل خير ، إلى ما سواه من الآراء والأهواء ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات التي يضعونها بآرائهم المعوجة وأهوائهم الطائشة . هذا الخطاب في الآية وهذا الاستفهام والتعجب والإنكار إنما هو موجه لقوم يوقنون بحقيقة الدين ، ويذعنون لشرع اللّه ، ويدركون أنه لا أعدل من اللّه ولا أحسن حكما منه .